كردستان.. أراضي متناثرة في بلاد متناحرة

  الأربعاء, 10 آب/أغسطس 2016 09:18

فترة زمنية ممتدة منذ مئة عام على اتفاقية سايكس بيكو، الاتفاقية التي نتجت عنها دول كثيرة في المنطقة، بعد أن كانت كلها منضوية في الإمبراطورية العثمانية، منذ ذاك وما تزال القضية الكردية تتدحرج نحو منطقة العمق من الأشكال والتعقيد المتزايد في جميع الدول التي تناثرت أجزاؤها في تركيا والعراق وسوريا وايران، لتكون بذلك أعقد قضية قومية بقيت دون حلول في منطقة الشرق الأوسط، وتبقى كقنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أية لحظة، رغم المحاولات الكثيرة نحو الاستقلال، وإنشاء الدولة الكردية ولو في جزء منها، إلا أن جميعها باءت بالفشل، ولعل «جمهورية مهاباد» التي لم يدم عمرها إلا «11» شهرًا في إيران، وانتهت بإعدام رئيسها ومؤسسها «القاضي محمد» من قبل الدولة الإيرانية آنذاك، بعد أن تخلت الدولة السوفيتية عن الجمهورية الوحيدة للكرد، والتي علقت عليها آمالًا كبيرة في أن تكون الدولة الأم تتولد من بعدها دول أخرى في الجوار التركي والعراقي، إلا أن هذا الحلم لم يتحقق حتى الآن، وما تزال القضية تتدحرج نحو المجهول مرة أخرى. فبعد أن حصل الكرد في الجزء العراقي على حماية دولية منذ 1991، وتمتع إقليم كردستان باستقلال إداري وسياسي، وذلك بعد معاناة طويلة دامت لمدة 30 عامًا مع الأنظمة العراقية الواحدة تلو الأخرى، والتي ذاق الكرد خلالها الأمرين من عمليات تهجير وتطهير، وانتهت بإبادة جماعية، ثم الهجرة المليونية التي كانت سببًا لصدور قرار دولي بجعل منطقة كردستان منطقة يحظر فيها تواجد الجيش العراقي أرضًا وجوًا، علقت الآمال مرة أخرى على هذا الجزء عله يكون بداية تمهيد لتأسيس الدولة الكردية المنشودة منذ مئة عام، وما يزال هذا الأمل مجرد حلم يدغدغ الكرد في كل مكان.

أما في تركيا فالحالة معقدة جدًّا، فمنذ الثمانينات هنالك حرب ضروس بين المقاتلين الكرد من جهة، والجيش التركي من جهة أخرى، والتي لم تنته باعتقال زعيم الحركة الكردية هناك «عبد الله أوجلان» سنة 1999 من قبل السطات الكينية، ومن ثم تسليمه إلى السلطات التركية لينتهي به الأمر بصدور حكم إعدام لم ينفذ لحد الآن، بسبب المفاوضات التركية بالدخول إلى منطقة الاتحاد الأوروبي، أما في سوريا فالكرد كانوا مغيَبين تمامًا، غيابًا يصل إلى حد الانعدام، وظهرت القضية الكردية في سوريا إلى العلن بعد اندلاع الثورة السورية 2011، وسيطرة قوات الوحدات الكردية على مناطق كردية في القامشلو والحسكة وغيرها، والتي تشوبها الكثير من التعقيد الذي سننطرق إليه في حلقة من حلقات هذا المقال.

أما في إيران، فمنذ إجهاض «جمهورية مهاباد» الكردية التي أسسها القاضي محمد، ولحد هذه اللحظة ما زالت المعاناة مستمرة، والصوت الكردي هناك صوت غير مسموع، يرجع إلى عدة أسباب داخلية وخارجية سنتطرق إليها لاحقًا.

وهكذا فإن المشهد الكردي يبدو مشهدًا غامضًا متشابكًا مترامي الأطراف في العراق وسوريا وتركيا وإيران، ما يستدعي الوقوف عليه، وعلى الجوانب الغامضة فيه من وجهة نظر كردية، وكيف أصبحت القضية الكردية حاضرة بقوة سواء عند الحديث عن مستقبل العراق الذي يتمتع الكرد فيه بإقليم مستقر ومستقل منذ 25 سنة، والآن طرف أساسي في الحرب ضد داعش، أو عند الحديث عن مستقبل الحرب السورية، ومفاوضات جنيف المتعددة، والحوارات الجارية بشأنها، والموقف الدولي منها، وموقع الكرد في أية اتفاقية قد تؤدي إلى إنهاء الحرب هناك، أو عند الحديث عنها في تركيا بعد حضورها القوي في البرلمان التركي من جهة، وتصاعد وتيرة الخلافات بين الطرف الكردي، والحكومة التركية من جهة أخرى، انتهت إلى عمليات عسكرية في عدة مناطق كردية في تركيا، وما تزال القضية حاضرة بعد أن انتهت «عمليات السلام والحل» والتي أطلقها حزب العدالة والتنمية للتوصل إلى حل يرضي الكرد في تركيا، أو عند الحديث عن القضية الكردية في إيران التي نسمع عنها بين الفينة والأخرى أخبار الإعدام لعشرات الشباب الكرد فيها، وسط أجواء غامضة، والتي أصبحت موضع انتقاد واسع من المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان.

إذن فالقاسم المشترك بين الكرد في جميع هذه الدول هو مظلوميتهم، وعدم تمتعهم بالحقوق الدستورية، والقانونية، والسياسية التي تقرها جميع المواثيق الدولية. إلا أن ذلك لم يمنع من أن تكون هنالك الكثير من الخلافات والزوايا المختلفة تجاه الكرد وقضيتهم في هذه الدول، سواء من عند أنفسهم ورؤيتهم إلى الحلول المرجوة، أو من عند غيرهم من دول المنطقة، وأمريكا، وأوروبا، وغيرها.

إذن فإنها قضية شائكة معقدة، إلا أنها قضية أساسية في المعادلة الإقليمية، ورسم الخرائط السياسية والعسكرية في هذه الدول، ونكاد أن نجزم بأنه لا يمكن إيجاد حلول واضحة المعالم للمنطقة، دون ان تكون هذه القضية حاضرة فيها كطرف اساسي في المعادلة، عليه سنحاول أن ننتطرق إليها باختصار شديد، ونتناولها من جوانبها المختلفة في أربع حلقات من هذا المقال، نخصص لكل جزء من كردستان مقالًا، نتناول فيه الخلفيات التاريخية والآفاق المستقبلية لها.

شۆرش حەسەن

بەكالوریوسی لە یاسا هەیە، ئەندامی یەكێتی مافپەروەرانی كوردستانە.

ئەندامی سەندیكای رۆژنامەنووسانی كوردستان.

ئەندامی فیدراسۆنی نێودەولەتی رۆژنامەنووسانە