الإسلام والمسلمون وتنوع الانتساب

  الأربعاء, 21 حزيران/يونيو 2017 21:34

 لجهل البعض بحقيقة الموضوع أو لأغراض معينة أو لإلتباس في فهم اللغة وفك الارتباط بين مدلولاتها أو لأسباب أخرى غير مرئية، حصل نوع من الخلط بين عدة مصطلحات حول الإسلام والانتساب إليه وعلى هذا الخلط يحكمون على الجميع بحكم واحد قاهر. وهذا يجانب الصحة والصواب. وكأمينا عاما لحزب الاتحاد الإسلامي الكردستاني، إليكم تفسيري لتلك المصطلحات والقضايا.

أ / الإسلام: دين سماوي سمح، وهو آخر الأديان السماوية وله أكثر من ربع المنتسبين للأديان على وجه الأرض، وله كتاب مقدس كريم " القرآن " ورسوله الخاتم " محمد " سيرته وسنته محفوظة ومدونة لدى المسلمين.. وله من العمر أكثر من 14 قرن من الزمن ولايزال تتمتع بالحيوية والديمومة والحضور المواكب للعصر.

ب / المسلمون: فهم كل المنتسبين إلى هذا الدين منذ القرن الأول " ستمائة الميلادية " لحد الآن، فهؤلاء فيهم المصيب في التزامه والمخطئ وفيهم المُفرِط والمُفرِّط وفيهم الصحيح والسقيم، حسب درجة التزامه فهماً وممارسةً.. فالتأريخ الإسلامي هو بالأصل تأريخ المسلمين وليس حجة على الإسلام ولا يحكم عليه بسبب ممارسات منتسبيه.

ج / الإسلاميون: هم منتسبو الحركات الإسلامية الذين اعتمدوا الإسلام مرجعية وتبنوا الشريعة الإسلامية مصدراً رئيسياً للتشريع في بلدانهم وأطلقوا مشاريع فكرية وحركية ودخلوا المعترك السياسي في بلدانهم، وهم يأخذون شرعيتهم من الشعب وبآلية انتخابات ديمقراطية ويؤمنون بحكم مدني وليس بحكم ديني ثيوقراطي، يؤمنون بالعمل السياسي المدني ويعتمدون على الحوار والتعايش مع الآخر والتعددية والديمقراطية.

ولم يتخذ الإسلاميون (المتبنون الدعوة والتربية أو السياسة) النهج العنفي والراديكالي سبيلاً لعملهم الدعوي آو حياتهم السياسية، ولا شك بين هؤلاء حركات وأحزاب تتفاوت درجات وسطيتهم واعتدالهم وممارستهم للنهج الديمقراطي في داخل فعالياتهم ومنظماتهم أو مع غيرها من الأحزاب والحركات السياسية. وكذلك تتفاوت درجات اهتمامهم بالعمل التربوي والدعوي والروحي أو السياسي والاجتماعي

. فقسم يعتنون بالجانب التربوي أكثر وقسم بالجانب الدعوي أكثر وقسم بالسياسي وهكذا فلا شك أيضاً أن هذه الحركات والمنظمات ليست خالية من الخطأ وليست معصومة، وهي مشاريع بشرية وتتحكم فيها العقول البشرية والفارق الوحيد هو مرجعيتهم العليا التي يعتمدونها بالأخير وهي الإسلام، أي لا يخرجون من دائرة ثوابت الإسلام وهم مطلقو اليد في دائرة المتغيرات كلها، أما حمل اسم الإسلام ـ أي الانتساب إلى الإسلام ـ في تسميتهم للحركات والأحزاب فهذا شيء فرعي وعرفي، وليس شرطاً ولا ملزماً.. فالأصل في هذه الحركات أن تمارس العمل السياسي ضمن دائرة المتغيرات الواسعة في الإسلام وتشارك الآخرين بنهج مدني سلمي ومنهجية وسطية اعتدالية.

نموذج هذه المجموعة هو الإخوان المسلمون في مصر وفي البلدان العربية الأخرى (اقصد الإخوان كام ومنهج وليس الخارجين عن الخط العام كجماعة الجهاد والهجرة والتكفير) والجماعة الإسلامية في باكستان وجماعة النور في تركيا وجميع الحركات الإسلامية تبنت المشروع السياسي الوسطى وانخرطت في العملية السياسية في المغرب والجزائر واليمن والعراق والأردن.. الخ، ولابد من القول إن كل حركة لها خصوصيتها القطرية والمحلية وليست ملزمة بأي إطار خارج بلدها.

ويذكر انه من بين هذه المجموعة " يستهدف العاملون في الحقل السياسي حقداً وملاحقةً وإفتراءاً عليها من قبل الأنظمة الحاكمة في بلدانهم بسبب منافستها للأحزاب الأخرى في العملية السياسية وممارستها في أكثر الأحيان دور المعارضة للسلطة الحاكمة، فهؤلاء الحكام لا يروق لهم هذا التيار السياسي الإسلامي ويحاولون توريطهم في مزالق ومحطات عدائية وعنيفة وإخراجهم من حالتهم السلمية والمدنية.

فعلة عداء هذه الأنظمة لهذه الحركات الإسلامية السياسية ليست في فكرها وممارستها وإنما لمنافستها في الساحة ومزاحمتها لهم.. فالسجون والمشانق والزنزانات في البلدان العربية وطيلة القرن الماضي كانت مفتوحة الأبواب لقادة هذه الحركات ونشطائها وكوادرها. والقمع والديكتاتورية وحكم العوائل والاستبداد كانت سمات الأنظمة التي استخدمت عنف الدولة ومارسته خلال مواجهتها لهذه الحركات، ولولا هذا الخوف من منافسة السلطة كان التيار الوسطي خير علاج لإنهاء الفكر المتشدد، لأن الحل الأمني عاجز عن العلاج ولا يفل الحديد إلا الحديد ولا يعالج الفكر إلا الفكر.

د / الإسلاميون التقليديون: هناك فئة أخرى من الإسلاميين يتبنون السلفية أو الصوفية أو الجانب الفلسفي أو الفكري النظري، مثل جماعة التبليغ ومدارس الطلبة في باكستان والسلفية المدخلية ونظائرها، نشأت هذه المجاميع طيلة الـتاريخ الإسلامي وشكلت فرقاً وجماعات ولكنها على الأكثر سهلة التفاهم مع السلطة القائمة. هؤلاء المنتسبون مسالمون وتقليديون وليسوا سياسيين وهم مرغوبون لدى الأنظمة الحاكمة في المنطقة الإسلامية في أكثر الأحيان.

ولا يخفى أن بعضاً من المجاميع العنفية اتخذت من هذه المدارس السلفية أو الصوفية منحاها الأساسي الفكري وبالأخص التيار الجهادي السلفي الذي نشأ على الفهم السلفي المتشدد وأخذ منه جرأته على التكفير والحكم على الآخرين بأية مخالفة لظاهر النصوص.

هـ / الإرهابيون العنفيون: وهم مجاميع المؤمنين بالعنف والتشدد والإرهاب والمنتظمون في منظمات مسلحة تحت غطاء الجهاد مدعومة من بعض الغافلين من الأغنياء ومخترقة من قبل مخابرات بعض الدول في المنطقة وعلى مستوى العالم لخلق البلبلة والفوضى الأمني والتشويه للوجه الناصع للإسلام والتشويش على العاملين في مجال العمل الإسلامي المعتدل والوسطي.

إن هذه الفكرة يعود تأريخها إلى القرن الأول للإسلام متمثلاً في جماعة ـ الخوارج ـ وكان التكفير ثم القتل العشوائي ديدنهم وقد قتلوا علي بن أبي طالب وقاتلوا المسلمين وهدروا دماء كل من يخالفهم ولا يسلك مسلكهم.

وقد واجههم العلماء ونظام الحكم في وقته وخمدوا حركتهم إلا أنها تتجدد بين فترة وأخرى. والحلقة الأخيرة لهذه الحالة المستنسخة من الخوارج هي تنظيم ـ القاعدة ـ الإرهابي بقيادة أسامة بن لادن سعودي الجنسية، سلفي العقيدة والانتساب، وخلفه أيمن الظواهري المصري الجنسية والحاقد والمتمرد على الإخوان. نشأ ضمن صراع القطبين الأمريكي والسوفيتي وأصبحت أفغانستان ميداناً للصراع هذا، فأستغل هذا الموقف أصحاب الفكر السلفي المتشدد في أفغانستان في فترة الثمانينات لصنع أجواء عمل عنفي بإسم الجهاد، ونجحت الحركات المسلحة هناك في محاربة السوفييت وإجبارهم على الخروج وتقربها من السقوط، ثم انقلبت على العالم الإسلامي والغربي وأعلنت الحرب على الدنيا.

وقد تفرعت من هذا التنظيم مجاميع وفرق وتوزعت على العالم وقاموا بجريمة 11سبتمبر 2001 وغيرها من العمليات الإرهابية وتشكلوا أخيراً في تنظيم جديد بإسم "داعش" أي الدولة الإسلامية في العراق والشام ـ واستولوا على مدن سنية عراقية وملؤوها تدميراً وقتلاً وتخريباً.

يتوجب على كل المتابع والمهتم بشأن الإسلام من كتاب وصحفيين وباحثين وأكاديميين أن ينتبهوا  إلى هذه المفارقات والمقاربات وان يميزوا بين هذه التقاطعات ويفكوا الارتباط بين الاسم والمسمى. لكي لا يقعوا في خطأ التعميم ويلتبس عليه الموضوع ويتجاوز الموضوعية والعلمية. وعليهم أن يأخذوا بنصيحة رب العالمين الآتية في القرآن الكريم.
" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ " سورة الحجرات الآية 6.