التعددية السياسية والحزبية من منظور إسلامي (القسم الأول)

  الخميس, 18 كانون2/يناير 2018 15:58

المقدمة

يمرّ العالم الإسلامي، والأمّة الإسلامية، بأكبر تحدّ تواجهه في تاريخها، وها قد مضـى أكثر من قرنين من الزمان منذ أن استفاق العالم الإسلامي على وقع سنابك خيل (نابليون)، وهي تدّك (الأزهر الشريف).. ومنذ ذلك الحين والعالم الإسلامي كله يخوض معركة البقاء والنهضة والتنمية، ولكن دون أن يستطيع حتى الآن امتلاك زمام المبادرة والنهوض الحضاري.

وقد عانى الفكر الإسلامي، وهو البنية الفكرية لهذه الأمّة، من آثار هذه الأزمة، أو لعلّه كان جزءاً منها، فلم يستطع أن يكون في مستوى التحدي، ليدفع بالأمّة في طريق النهوض.. ولكن ذلك لا يعني اتهام المصلحين والمفكرين والحركات الإسلامية بالتقاعس والتقصير، فهم قد أدّوا جهدهم، وحاولوا أن يخوضوا المعركة بكل 
أبعادها، غير أن أغلال التخلّف، وتحديات (الآخر)، لا تزال تاركة آثارها.

ولعل ميدان (الفكر السياسي الإسلامي) كان أحد الميادين البارزة، التي شهدت تلكؤاً وتباطؤاً واضحاً في النمو والاستجابة لتحديات العصر..

فمع أن رواد الإصلاح والنهضة في العالم الإسلامي هم الذين قادوا ( الأمّة ) في ميادين الجهاد ضد الاستعمار، وفي ميادين التجديد والاجتهاد والفكر، ولكن التطورات التي حدثت ما بين الحربين العالميتين؛ من سقوط الخلافة الإسلامية، ونشوء الدويلات القطرية في العالمين الإسلامي والعربي، والتبعية السياسية والاقتصادية والثقافية التي ظلت تعيشها هذه الأمّة تجاه (الغرب)، كل ذلك أحدث انقطاعاً في مسيرة الإصلاح والنهضة الإسلامية، حيث اجتاحت موجة (التغريب) الأمّة الإسلامية، وكلّفتها الكثير من الخسائر والتضحيات، ومزيداً من التخلّف.

ومع هذا، فقد ظل رجال الفكر والدعوة في العالم الإسلامي والعربي يقاومون هذه التحديات، ويصارعونها، متخذين في ذلك كافة الوسائل والسبل، بما في ذلك خوض غمار العمل السياسي، والنقابي، والاجتماعي، وسائر الميادين الأخرى (الاقتصادية، والثقافية، ... إلخ).. ولا يزال عالمنا الإسلامي يعيش هذه المرحلة من الصراع بين (الفكرة الإسلامية) و(الفكرة الغربية)، رغم أن (الصحوة الإسلامية)، اليوم، قد عمّت العالم الإسلامي جميعه، من أقصاه إلى أقصاه، ورغم أن هناك أكثر من (دولة) تُحكم من قبل تيارات أو تجمّعات إسلامية، وتحاول أن تقدّم نفسها نموذجاً لدولة إسلامية عصـرية، كما أن (الحركات الإسلامية)، في كثير من الدول العربية والإسلامية، قد أصبحت في مقدمة القوى السياسية المؤثرة والفاعلة فيها..

ومن هنا تأتي أهمية وحساسية مثل هذا الموضوع الذي نطرقه هنا، موضوع (التعددية السياسية والحزبية)، فحيث أن الفكر الإسلامي مطالب بأن يقدّم الحلول للمشكلات التي تواجه المجتمع، وأن يواكب تطورات الحياة والأحداث، مجتهداً ومجدّداً وموجّهاً، وما دامت الحركات والأحزاب والجماعات الإسلامية هي (طرف سياسي) في الدول الإسلامية الموجودة اليوم، لذا فإن من الواجب عليها أن تقوم باستكشاف مواقعها ومواقع الآخرين، وتقدم الأجوبة والحلول لما يطرأ من مستجدات ومشكلات.

وهكذا، فقد قمنا في هذا البحث بتتبع موقف المفكرين والحركات الإسلامية في قضية التعددية السياسية والحزبية، آخذين في الاعتبار المواقف المناهضة والمؤيدة لها، وذلك في (المبحث الأول)، الذي جعلناه (مطلبين)، خصصنا الأول منهما لأدلة الفريق الرافض للتعددية السياسية والحزبية، بينما خصصنا (المطلب الثاني) لأدلة الفريق الآخر المؤيدة للتعددية، مع التمهيد لذلك ببحث مفهوم (الحزب)، ومسألة (الحزبية) في فكر المسلمين..

أما (المبحث الثاني) فقد تناول الموقف من وجود وتشكيل (الأحزاب غير الإسلامية) في النظام الإسلامي، وتطرق إلى بيان اتجاهات الفكر الإسلامي تجاه هذه المسألة، وذلك في ثلاث نقاط، وكما يلي  :

1-        الفريق الذي يرى أنها تعددية إسلامية حصراً.

2-        الفريق الذي يرى أنها تعددية إسلامية مشروطة.

3-        الفريق الذي يرى أنها تعددية مطلقة.

ثم أنهي البحث بخاتمة تضمنت أهم النتائج التي انتهى إليها البحث..

ولا بد من الإشارة هنا إلى قلّة المصادر التي تبحث في هذا الموضوع من منظور إسلامي، على أهمية الموضوع، والحاجة العلمية إليه.. فباستثناء كتاب (د. صلاح الصاوي)، الموسوم بـ (التعددية السياسية في الدولة الإسلامية)، الذي يتناول الموضوع بصورة وافية، لا نجد مصدراً آخر ذا بال في هذا الميدان.. مع الإشارة بالطبع إلى الكتاب القيم للأستاذ (راشد الغنوشي)، الذي عرض فيه للموضوع بشكل جيد، وكتاب الباحث (زكي الميلاد): الوحدة والتعددية والحوار في الخطاب الإسلامي المعاصر، وفتوى الشيخ (يوسف القرضاوي)، ومصادر أخرى قليلة..

نأمل أن نكون بهذا الجهد المتواضع، قد تمكنّا من إلقاء الضوء على قضية (التعددية السياسية والحزبية) من خلال الرؤية الإسلامية، والله الموفق، وهو الهادي إلى كل خير. 

                                   

 

 

              المبحث الأول

      التعددية السياسية والحزبية عند المسلمين:

مع أن (التعدّد)، في المنظور الإسلامي، هو سُنّة كونية، وأن (الوحدة) التي " لا تركّب فيها، ولا تعدد لها، مقصورة على الذات الإلهية وحدها"(1).. ومع أن المسلمين الأوائل قد استوعبوا ذلك على مستوى الفهم والممارسة، فكانت الحضارة الإسلامية نموذجاً للحضارة الإنسانية المتعددة الأعراق والمذاهب والأديان، ولم تضق ذرعاً باختلاف الآراء والمذاهب والفرق.. فإن من الواضح أن مصطلحات مثل (التعددية)، و(التعددية السياسية والحزبية)، هي مصطلحات لم تعرف، ولم تتداول، عند المسلمين، إلا حديثاً.. ورغم أنه لا يعلم على وجه الدقة متى ومن أول من استعمل هذا المصطلح عند المسلمين في العصر الحديث، إلا أنه أصبح الآن متداولاً في الكتابات الإسلامية، مع وجود اختلاف واضح في المواقف تجاهه من قبل المسلمين.. بل إن مصطلحاً حديثاً آخر، ملازماً له، مثل (الحزب)، أو (الحزبية)، ورغم أنه قد جاء ذكره في أكثر من آية قرآنية، فقد اختلف المسلمون حوله هو الآخر، فذهب بعضهم إلى أن المسلمين الأوائل عرفوا (الظاهرة الحزبية)، وشكّلوا (الأحزاب السياسية)، وإنْ سمّوها بأسماء أخرى(2)، في حين أنكر البعض الآخر ذلك قائلين: إن (الحزبية) أمر منبوذ في الإسلام، وإن (التحزب) محرّم ومخالف للإسلام(3)، وهكذا..

ولأن مسألة (التعددية السياسية والحزبية) لا يستقيم الكلام عنها دون التطرق إلى مفهوم (الحزب)، فإننا سنعمد أولاً إلى الحديث عن هذا المفهوم، ثم نعرض للاختلاف الواقع بين المسلمين في شأن جواز، أو حرمة، تشكيل الأحزاب السياسية، ثم نأتي بعدها إلى عرض مواقف الإسلاميين من مسألة (التعددية السياسية والحزبية)..

 

أولاً : ( الحزب ) لغة واصطلاحاً:

 

جاء في (لسان العرب): "الحزب: جماعة الناس. والجمع: أحزاب. والأحزاب: جنود الكفار، تألّبوا وتظاهروا على حرب النبي صلى الله عليه وسلم... والحزب: الطائفة. والأحزاب: الطوائف التي تجتمع على محاربة الأنبياء عليهم السلام"(4).

وفي (القاموس المحيط) أن "الحزب: الطائفة... وجماعة الناس، والأحزابُ جَمْعُهُ، وجَمعٌ كانوا تألّبوا وتظاهروا على حرب النبي (صلى الله عليه وسلم)، وجُنْدُ الرّجُل، وأصحَابُهُ الذين هم على رأيه... وحَازَبُوا وتَحَزَّبُوا: صاروا أحزاباً"(5).

وتتفق المصادر القديمة على هذا المعنى لكلمة (الحزب)، كما أنها تتفق على تفسير كلمة (الأحزاب) بالجموع التي اجتمعت على حرب النبي (صلى الله عليه وسلم)، من قريش وغيرها.. ولكن السؤال هنا هو : لماذا هذا الإصرار على الربط بين كلمة (الأحزاب)، وبين الواقع التاريخي الذي استعملت فيه لأول مرة؟ ولماذا لا ينظر إلى معنى الكلمة بصورة مجردة، وبمعزل عن الواقعة التاريخية ؟ "لماذا لا نقول عنهم: إنهم جماعات من الناس، بعيداً عن أيّ دلالات خارجة عن اللغة، ومن غير أي ارتباط بالحدث التاريخي الذي حصل على عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم) حين اتفق الكفار على محاربته"(6).

ولعلّ ما يفسر ذلك هو ورود هذه الصيغة في القرآن الكريم في معرض الذم دائماً ، حيث نجد أن هذه الكلمة (الأحزاب) قد وردت في القرآن الكريم للدلالة على معاني الاختلاف والفرقة والاجتماع على الباطل:

قال تعالى: {فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ} سورة مريم : 19/ 37 ،

وقال تعالى: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ} سورة الأحزاب : 23/ 22 ،

وقال تعالى: { وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ } سورة هود : 11/ 17 ، وغيرها من الآيات..

 وقد اعتمد الفريق الذي يرفض (الحزبية) مطلقاً، على مثل هذه الآيات للتدليل على مطلبه.. ومن الجدير بالذكر أن كلمة (حزب) قد وردت في (عشـرين) موضعاً، في (123) سورة، (ثمان) منها وردت بصيغة المفرد، وواحد بصيغة المثنى، وأحد عشر مرة بصيغة الجمع(7).

أما (الحزب) في المعنى الاصطلاحي الحديث، فهو "كل تجمع لأشخاص يعتنقون نفس النظرية السياسية، ويحاولون وضعها موضع الاعتبار والتقدير، عن طريق التحالف مع أكبر عدد ممكن من المواطنين، ثم التوصل إلى السلطة، أو على الأقل التأثير على قراراتها(8). ويرى بعض علماء القانون الدستوري أن من الصعوبة إعطاء تعريف موحّد جامع للحزب، "نظراً لاختلاف العقيدة والمقاصد لكل حزب، وتنوّع الأدوار التي تقوم بها"(9).

ويعرّف (د. محمد عمارة) (الحزب) بأنه: "كل طائفة أو جماعة جمعهم الاتجاه إلى غرض واحد، سياسياً كان ذلك الغرض، بالدرجة الأولى، أو غير سياسي.."(10)، ثم يقول: وغلب – في الحديث والمعاصر – إطلاق مصطلح الحزب على التنظيم الذي يجمع جماعة من الأفراد، تشترك في تصوّر واحد لبعض المسائل السياسية، وتكوّن رأياً انتخابياً واحداً"(11).

ومن هذه التعريفات نجد أن (الحزب)، في الاصطلاح، يكاد يقتصـر على الشأن السياسي.. فالغرض السياسي، وهو (الوصول إلى السلطة)، أو ( التأثير في قرارتها )، أو (تكوين رأي انتخابي واحد)، هو الغاية أو الغرض البارز من وراء (تجمّع) أناس داخل (إطار تنظيمي)، واعتناق نفس المبادئ والأفكار التي يقوم عليها (الحزب)..

ومن هنا، يرى البعض أن (الحزب)، في المفهوم الغربي، إذا كان يعبّر عن دلالات سياسية، بصورة رئيسية، فإن دلالاته الرئيسية – " ترتبط بالدعوة، والتبليغ، والأمر بالمعروف، والنهيّ عن المنكر، والدلالات السياسية هي أحد هذه الدلالات لا غير"(12).

 

 

ثانياً : الحزبية في فكر المسلمين:

قلنا إن المسلمين اختلفوا في شأن العمل الحزبي، وتشكيل الأحزاب، فذهب البعض إلى حرمة تشكيلها أصلاً، في حين يرى آخرون جواز ذلك، بل ووجوبه..

ومن المعلوم أن موضوع العمل الحزبي، أو المعارضة السياسية، هو موضوع حديث، لم يطرقه فقهاء المسلمين قبل منتصف القرن الرابع عشر الهجري، أيْ بعد أن بدأت الجماعات والأحزاب الإسلامية في الظهور، رغم أن المجتمع الإسلامي – حسبما يرى البعض – قد عرف "الانقسام والتعددية السياسية المنظّمة، منذ معركة صفين"، حيث "نشأت تيارات كبرى، تقوم كل منها على رؤية للدين والتاريخ ودور الإنسان والموقف من السلطة والثورة، وكان أهمها الشيعة والخوارج والمعتزلة والمرجئة"(13).

ويرى (الشيخ الغنوشي) أن "مباشرة العمل السياسي، من خلال انتشار الأحزاب السياسية، وإعداد البرامج لها "(14)، بدأت منذ الجيل الثاني من رواد الإصلاح والنهضة (جيل الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا، والكواكبي)، ويشير - على وجه الخصوص - إلى تجربة الأفغاني، ومحمد عبده.. فهذا (رفاعة الطهطاوي) ( 1801-1873 ) يقول: "الحرية الدينية هي حرية العقيدة والرأي والمذهب، بشرط ألا تخرج عن أصل الدين، كآراء الأشاعرة، والماتريدية، وآراء أرباب المذاهب المجتهدين في الفروع، ومثل ذلك حرية المذاهب السياسية"(15)، وكأنه يؤصّل مبدأ التعدّدية السياسية، قياساً على تعدّدية المذاهب.. "أما الكواكبي ( 1854 – 1920 ) فينوّه بما أنجزه الغرب من تطور على مستوى تنظيم الدولة، حتى إن انقسام الأحزاب لم يضعف الدولة الغربية، لأن الاختلاف بين الأحزاب إنما هو في وجه تطبيق القواعد على الفروع والنصوص الخصوصية"(16).

ويعلّق (خير الدين التونسي) الآمال على تأسيس (التنظيمات) الغربية على أسس إسلامية، ويرى أن (الأمّة) إذا أذكيت حريتها بتنظيمات مضبوطة، ساعدها ذلك على التدّخل في أمور السياسة، "وكان سيرها في طريق التمدن أسرع من غيرها، وأمكن الحدّ من حكم الاستبداد"(17).

فمثل هذه النصوص تدل على أن هؤلاء الرواد لم يروا في إنشاء الأحزاب السياسية بأساً، بل على العكس رأوا فيه طريقاً من طرق الإصلاح، وسبيلاً للحد من الاستبداد..

 ولكن (الجيل الثالث) من رواد الإصلاح والحركة الإسلامية سجّل ما يمكن اعتباره تراجعاً في الموقف تجاه قضية (الحزبية)، ويتجلى ذلك في موقف الإمام (حسن البنا) (1906-1949) – مؤسس كبرى الحركات الإسلامية في العصر الحديث – الذي اشتهر عنه موقفه المعادي للأحزاب وللتعددية الحزبية.. ومع أن البعض برّر هذا الموقف بأنه لم يكن ضد (الحزبية) بإطلاق، وإنما كان ضد "واقع الأحزاب، وانحراف بعضها، وارتباطها بالإنكليز، وإفسادها للنفوس"(18). فإن آخرين، ومنهم (حركة الاتجاه الإسلامي) في (تونس)، على لسان زعيمها (راشد الغنوشي)، و(د.عبدالله النفيسـي)، في كتابه (الحركة الإسلامية: ثغرات في الطريق)، وغيرهم، انتقدوا هذا الموقف، واعتبروه (خطأ سياسياً شنيعاً)، جعل الجماعة "غير قادرة، حتى الآن، على تأسيس شبكة متوازنة، ومستقرة، لعلاقاتها مع الأطراف السياسية الأخرى، في السوح العربية والإسلامية"(19).

ويقترب موقف (أبو الأعلى المودودي) (1903- 1979) – مؤسس الجماعة الإسلامية في باكستان – من موقف (حسن البنا)، في رفضه للحزبية وتشكيل الأحزاب، ويتّفق معه كذلك في النزول إلى ميدان (السياسة)، وتشكيل (جماعة منظمة)، تمارس العمل السياسي، وتخوض الانتخابات مع غيرها.. وهو ما يدفع إلى التساؤل عن السـر في مثل هذا التناقض بين ذلك الموقف، وتلك الممارسة: فهل "هو من قبيل الاعتراف بالأمر الواقع، دون أن يعني ذلك ضرورة الاعتراف بمشروعيته؟!"(20).   

ويجيب الأستاذ (راشد الغنوشي) على ذلك بقوله: "ولكن، على فرض صحة هذا التأويل، هل تجيزه الأخلاق الإسلامية؟ لا نرى لذلك وجهاً "(21).

وقد نشأت بين المسلمين اتجاهات رافضة للعمل الحزبي، مستندة في ذلك إلى واقع التجزئة الذي تحدثه (الأحزاب) في جسم (الأمّة)، وإلى عدد من آيات القرآن الكريم، وبعض الأحاديث الشريفة، التي يرى هؤلاء أنها تحرّم على المسلمين القيام بإنشاء أحزاب سياسية.. ومن هؤلاء (صفي الرحمن المبار كفوري) الذي "قال بالتحريم، وأسهب في ذلك مفصلاً: تحليلاً، وتدليلاً، وتعليلاً"(22)، وذلك في كتابه (الأحزاب السياسية في الإسلام).. ومنهم (د. صبحي عبده سعيد)، الذي يرى أن نشأة الأحزاب – أو الفرق – عند المسلمين، إنما "جاءت ثمرة طبيعية لخروج المجتمع الإسلامي على أصول منهجه، ووقوع المسلمين بين أيدي حكام  غير قادرين على ردّ كل أمر لصراط الله المستقيم بحزم لا يلين، أو في أيدي حكام مارقين، فظهر التحزّب في المجتمع كدليل على اعوجاجه"(23).. ومن ثمّ فهو يرى أن المجتمعات الإسلامية اليوم لا تحتاج إلى (أحزاب)، وإنما هي "في حاجة إلى تربية إسلامية، تعود بنا إلى وحدتنا كأمة واحدة، اجتمعت على آصرة العقيدة، ولا ترى لها راية غير راية الله، وحزب الله، بمنظوره الإلهي، ومفهومه الإيماني"(24).

  ومنهم أيضاً المفكر الباكستاني (كليم صديقي)، وآخرين..

ولن يتسع المجال - بالطبع - لعرض أدلة هذا الفريق فيما ذهب إليه، وردود الفريق المقابل عليه، خاصة وأننا في حديثنا عن (التعددية السياسية الحزبية) سنعرض لأدلة الرافضين لها، وهي تقترب في مجملها وروحها من الأدلة التي يستند عليها هذا الفريق!

وأخيراً، فإن مما تجدر الإشارة إليه أن هذا الفريق الداعي إلى نبذ الحزبية، والقائل بحرمة تشكيل (الأحزاب)، هو في تناقض وضعف، وهو ما يؤكده أكثر من باحث وكاتب.. فهي تصورات "تعبّر عن مرحلة كانت شائكة ومضطربة في التفكير الإسلامي، وتكاد تشارف على نهايتها، فما كان مرفوضاً في السابق بشكل مطلق في بعض الأمور، هو اليوم مرفوض بشكل نسبي"(25).

وفي ختام هذه الجولة السريعة في موقف الإسلاميين من (الحزبية)، لا يسعنا إلا أن نقول مع (د. محمد عمارة):  إن مصطلح (الحزب)، في الأصول الإسلامية – قرآناً وسنة-، وكذلك في تجربة الدولة الإسلامية الأولى، على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ليس مرفوضاً لذاته، وبإطلاق، وليس مقبولاً لذاته، وبإطلاق.. وإنما معيار القبول لمصطلح الحزب، ومن ثمّ للتحزب، والتنظيم الحزبي من ثم، هو مضمون الأهداف والأغراض والمقاصد والمبادئ التي قام بها، وعليها، هذا الحزب(26)..r

 

الهوامش:

 

(1)              التعددية، الرؤية الإسلامية والتحديات الغربية، د. محمد عمارة، دار نهضة مصـر، القاهرة، ط1، 1997م ص 4.

(2)              انظر : الحريات العامة في الدولة الإسلامية، راشد الغنوشي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت ط1، 1993 . ص 250 .

(3)              المصدر السابق، ص 286.

(4)              لسان العرب، ابن منظور، أبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم الأفريقي المصري، دار صادر، بيروت، (د.ط)، 1955. م3، ص 308 مادة (حزب).

(5)              القاموس المحيط، مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادي، تحقيق: محمد نعيم العرقسوسي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط8، 2005. فصل الحاء، مادة الحزب، ص 73.

(6)              الفكر الإسلامي قراءات ومراجعات، زكي الميلاد ، مؤسسة الانتشار العربي ، بيروت ، ط1، 1999م . ص14.

(7)              المصدر السابق ص16.

(8)              الفكر الإسلامي، قراءات ومراجعات ، زكي الميلاد، مصدر سابق ، ص15

(9)              المصدر السابق، ص14.

(10)          المصدر السابق، ص14.

(11)          معركة المصطلحات بين الغرب والإسلام، د. محمد عمارة، دار نهضة مصـر، القاهرة، (د.ط)، 1997. ص128.

(12)          المصدر السابق .

(13)          الفكر الإسلامي قراءات ومراجعات، زكي الميلاد، مصدر سابق، ص15 .

(14)          الحريات العامة في الدولة الإسلامية، راشد الغنوشي، مصدر سابق، ص 250. انظر أيضاً: حكم المعارضة وإقامة الأحزاب السياسية في الإسلام، أحمد العوضي، دار النفائس، عمان – الأردن، ط1 ، 1992 . ص21.

(15)          الحريات العامة في الدولة الإسلامية، مصدر سابق، ص251 .

(16)          المصدر السابق، ص251.

(17)          المصدر السابق، ص252 .

(18)          المصدر السابق ص252.

(19)          الوحدة والتعددية والحوار في الخطاب الإسلامي المعاصر، زكي الميلاد، مصدر سابق، ص142. انظر أيضاً: حكم المعارضة وإقامة الأحزاب السياسية في الإسلام، أحمد العوضي، (مصدر سابق) ص23، حيث يرى الكاتب أن الإمام (البنا) إنما قصد بذلك: "تحريم إقامة أحزاب سياسية غير إسلامية في الدولة الإسلامية، وليس في كلامه ما يدلّ على أنه يرى تحريم إقامة أحزاب سياسية إسلامية في الدولة الإسلامية". وهذا في الحقيقة تحميل لكلام الإمام البنا ما لا يحتمله، وهو ما لم يفهمه ( الإخوان ) من كلام زعيمهم، وما لم يقولوا به.. والحقّ أن دعوة الإمام البنا لإلغاء الأحزاب، إنما كانت تنطلق من حرصه على (وحدة) الأمّة، التي كان يرى في وجود (الأحزاب) – بأشكالها، وهيئاتها القائمة آنذاك – تمزيقاً وتضعيفاً لها ..

(20)          الوحدة والتعددية والحوار في الخطاب الإسلامي المعاصر، مصدر سابق، ص141 .

(21)          الحريات العامة في الدولة الإسلامية، مصدر سابق، ص287.

(22)          المصدر السابق، ص287.

(23)          حكم المعارضة وإقامة الأحزاب السياسية في الإسلام، أحمد العوضي، مصدر سابق، ص23.

(24)          يصف (د. يوسف القرضاوي) الفتاوى والآراء التي تحرّم العمل الحزبي، بأنها "جرأة غريبة على دين الله، وتهجّم على الشرع بغير بيّنة، وتحريم لما أحلّ الله بغير سلطان"، ويقول: "بل الصواب أن تكوين هذه الجماعات مما توجبه نصوص الشـرع العامة، وقواعده الكلية". انظر: من فقه الدولة الإسلامية، د. يوسف القرضاوي، دار الشـروق، بيروت، ( د. ط )، 1996، ص158-159.

(25)          الحريات العامة في الدولة الإسلامية، راشد الغنوشي، مصدر سابق، ص287.

(26)          المصدر السابق، ص288.

(27)          انظر: المصدر السابق، ص287، وكذلك: التيارات الإسلامية وقضية الديمقراطية، د. حيدر إبراهيم علي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 1996، ص188وص336. وأيضاً: الوحدة والتعددية والحوار في الخطاب الإسلامي المعاصر، زكي الميلاد، مصدر سابق، ص32.

(28)          الوحدة والتعددية والحوار في الخطاب الإسلامي المعاصر، مصدر سابق، ص33.

(29)          سئل شيخ الإسلام (ابن تيمية) عن جماعة من الناس يسمّون حزباً، ويتّخذون لهم رسلاً، فقال: "وأمّا رأس الحزب، فإنه رأس الطائفة التي تتحزّب، أو تصير حزباً، فإن كانوا مجتمعين على ما أمر الله به ورسوله، من غير زيادة ولا نقصان، فهم مؤمنون لهم ما لهم وعليهم، وإن كانوا قد زادوا في ذلك ونقصوا، مثل التعصّب لمن دخل في حزبهم، سواء كان على حق أو باطل، فهذا من التفرّق الذي ذمّه الله تعالى ورسوله.. مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، تقي الدين أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحرّاني، مجمع الملك فهد، 1995، (د.ط). ج11، ص85، كتاب التصوف، فصل: معنى لفظ (الفتى).        

(30)          معركة المصطلحات بين الغرب والإسلام : د. محمد عمارة . دار نهضة مصـر، القاهرة، (د. ط)، 1997م. ص128.