تعذيب النفس

هناك من الناس من يحبّ (تعذيب) نفسه، بدعوى التدين والتقرب إلى الله!..

وليس من شك أن الإسلام يرفض التنطع والغلو في الدين، وما حديث الذي نذر أن يصوم قائماً في الشمس عنّا بغريب، وكذلك حديث الأربعة الذين توافدوا على (بيت النبوة)، فلما أخبروا بعبادة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فكأنهم تقالّوها، فطفقوا يزايدون في التشدد على النفس، كلٌّ يظنّ أنه بذلك يتقرب إلى الله..

فالإسلام دين (الوسطية) والاعتدال في كل شيء، وهذا واضح وضوح الشمس في رابعة النهار، من آيات قرآنه الكريم، وحديث رسوله الكريم (صلى الله عليه وسلم)..

ومع ذلك، فإننا نجد بيننا الكثير من الظواهر التي هي مصاديق حيّة لذلك (الغلو) و(التنطع) المرفوضين!..

فمثلاً ترى أحدهم وهو يأبى أن يستخدم الماء الدافئ في عزّ الشتاء، بدعوى أن استخدامه للماء البارد، شديد البرودة، يزيد في أجره، أليس (الأجر على قدر المشقة)، كما قال الرسول (صلى الله عليه وسلم)؟!. وننسى أن المشقة التي يأتي الأجر على قدرها، أو بحسبها، هي التي لا نتمكن من دفعها، لا التي نجلبها لأنفسنا، تلذذاً وعبادة!! فليس في تعذيب النفس أجر!

والمثال الآخر الذي يحضرني، كلما شاهدت بعض الشباب المسلم، وهو يلعب في الساحات العامة، أو الخاصة، بـالملابس الرياضية الطويلة (التراكسوت) الشتوي، بدعوى العيب والحرام!

وأفهم أن يكون ذلك (اجتهاداً) أو (ذوقاً) شخصياً، أما أن يحسب أنه (شرع)، وتكون له تنظيرات تجعله واجباً على الجميع، فهذا مصداق من مصاديق التنطّع في الدين!..

وإلا فإن الفقه الإسلامي يعتبر العورة من الرجل ما بين السرّة والركبة، على اختلاف في التفاصيل بين المذاهب.. فلماذا ندع هذه (الاجتهادات الفقهية) الميسّرة جانباً، لنضيّق على أنفسنا في مجال واسع!