السياسة التركية تجاه أربيل.. استراتيجية أم تكتيك!!

عملت السياسة الخارجية التركية مع الرقم التركي كونه الأصعب والأخطر على مصالح الدولة التركية، كونه يهدد المبادىء الأساسية لتلك الدولة في وحدة أراضيها وسيادتها الوطنية. فقد أشارت ملفات الأمن القومي التركي في عام 1992 على كون النزعة القومية الكردية هي الأخطر على الأمن القومي التركي، واستمرت في التعامل مع الكرد وفق السياسات الصلبة حيث اقتصر التخطيط وصنع القرار في ذلم ضمن المؤسسة العسكرية.
 
إلا أن السياسة التركية تجاه الأكراد في المضمون الإقليمي قد تغيرت وفق التغيير الحاصل على العقلية السياسية للنخبة الحاكمة في أنقرة، فالإصلاحات السياسية في البعدين الداخلي والخارجي انعكست إيجابا على النظرة التركية تجاه العامل الكردي، وهناك عوامل عديدة ساهمت في تغيير النظرة الأمنية القائمة على الحلول العسكرية إلى نظرة التعاون القائمة على أساس التبادل الاقتصادي، والتنسيق السياسي والأمني، ومن أبرز تلك العوامل:
 
1- العامل الداخلي المتعلق بالإصلاحات السياسية، والانفتاح السياسي تجاه الأكراد ودمقرطة المجتمع التركي.
 
2- العامل الخارجي المتعلق بالفراغ الأمني في العراق بعد احتلاله 2003، وتوسع نشاطات الحزب العمال الكردستاني، وكذلك المخاوف التقليدية من فكرة الاستقلال الكردي وتأثيرها على المصالح الاستراتيجية التركية.
 
إلا أن الأهمية الجيوسياسية لإقليم كردستان العراق تفرز سيناريوهات مختلفة وفق النظرة الاستراتيجية التركية، فالأمن والمصالح الحيوية تربط أنقرة بأربيل، وإن المعطيات الجديدة تفرض على الطرفين التركي والكردي للتعاون والتنسيق، فالحكومة الكردية تحتاج حماية إقليمية بعد تزايد دور إيران في العراق، وتوسع نشاطات الميليشيات الشيعية التي تعمل وفق أجندات أيدولوجية خطيرة تهدد مستقبل إقليم كردستان السياسي والاقتصادي، وفي المقابل تشعر تركيا أن التوسع الإيراني قد أضر بمعادلة توازن القوى، وأن الفراغ الأمني في العراق حولته إلى مقاطعة إيرانية، وهو ما يؤثرسلبا على المصالح التركية في الوقت الراهن والمستقبل، فضلًا عن حاجة تركيا إلى استغلال موارد الطاقة في إقليم كردستان التي تعد المصدر الخامس في توفير حاجة تركيا لمصادر الطاقة من البترول والغاز الطبيعي، وبذلك سوف تقلل الاعتماد التركي على روسيا وإيران، وتتحرر من الاستخدام السياسي لمصادر الطاقة من قبل طهران وموسكو ضد أنقرة. إضافة إلى سياسة التحالفات التركية للتصدي للمخاطر المحيطة بها، فالتحالف التركي السعودي القطري بات أمرًا علنيًا في الأروقة الإعلامية والسياسية، بل وتدعو انقره بصورة علنية إلى تحالف معتدل مع الأطراف السنية الأخرى؛ لتحقيق مصالح مشتركة تجمعها مع تلك الأطراف. وتأتي أهمية الإقليم في العلاقات الجيدة مع المكون السني في العراق، وكذلك العلاقات الاستراتيجية لإقليم كردستان مع كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي؛ مما يؤهلها لتكون رقمًا مهمًا في المعادلة الجديدة، وتشارك في رسم السياسات المستقبلية للمنطقة.
 
واعتبارا مما ذكر؛ فالسياسة التركية تجاه إقليم كردستان قائمة على استراتيجية بعيدة المدى، وليس وليدة صدفة أو تكتيك مرحلي تنتهي بانتهاء العوامل التي أدت إلى نشوئها، فالسياسة المرنة التي أعلنتها أنقرة تجاه أطراف عديدة في الشرق الأوسط، - وذلك لتوسع تأثيرها الإقليمي- لم تؤتي نتائج جيدة جراء الأحداث الأخيرة والربيع العربي، وفي المقام الأول الثورة السورية، لذلك تعد استمرار السياسة المرنة تجاه الإقليم محاولة تركية؛ لإثبات نجاح سياستها الخارجية القائمة على أساس التعاون مع الإقليم الكردي، وهو ما عبر عنها داود أوغلو عندما قال إن أنقرة؛ لم تقل يومًا أنها تهدف إلى انتهاء كل المشاكل والنزاعات وفق تبنيها لسياسة تصفير المشاكل (Zero Problems Policy)؛ وإنما تحاول أنقرة إلى تقليل تلك المشاكل وزيادة التعاون الإقليمي مع الجوار التركي، وهو ما يعتمد على الأطراف الأخرى، ولا يمكن حمل تركيا مسؤولية فشل الأنظمة العربية في الحفاظ على الأمن الداخلي واحترام حقوق مواطنيه.
 
وعليه فإن الاستراتيجية التركية تجاه أربيل تتركز على حماية مصالحه، وهو ما يؤدي إلى حماية الإقليم والحفاظ على أمنها في المرحلة المقبلة، وإن القواعد العسكرية التركية المتواجدة في الإقليم، فضلًا عن توسع تواجدها العسكري في الفترة الأخيرة؛ تدل على وجود نية لدى أنقرة في الاستمرار على معدل التعاون والتنسيق مع الطرف الكردي، والزيارة الأخيرة للسيد مسعود البارزاني إلى أنقره تات ضمن تلك المحاولات، وأن الاستقبال الرسمي واستخدام بروتوكول رفع علم إقليم كردستان تعبر عن مرحلة متطورة وتغيير جذري في السياسة التركية من سياسة قائمة على التردد والحلول العسكرية المرحلية مع الكرد؛ إلى سياسية استراتيجية تهدف إلى ضمان صداقة الكرد، والتعاون معهم لتحقيق مصالح مشتركة عجزت السياسة الصلبة وخطط الجيش التركي في تحقيقها لأكثر من عقدين من الزمن.
 
إن التنسيق التركي الكردي يحتاج إلى توفير الأرضية الإقليمية والدولية، وذلك لتجنب صراع مباشر مع بغداد وإيران، وتجنب الإقليم من أي خطر أو عمل عسكري قد تتقدم عليه الأطراف المعادية للسياسات التركية، ولا أتوقع أن تتقدم أنقرة على خطوات جوهرية من دون مشاورة وإرضاء كل من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي؛ اللتان تريان في التوسع التركي وسيلة لوقف الغطرسة الروسية والمراهقة الإيرانية في الشرق الأوسط؟