الشعب الكوردي يُدفع عراقياً باتجاه الاستقلال وإقامة الدولة

اليوم أمن المنطقة متداخلة اكثر من أية مرحلة مضت لأسباب موضوعية ، واستراتيجيات معلنة من قبل الأطراف التي خلقت الأسباب.
 
أمن العراق وموقعه له عمق في التاريخ وواقع على الارض اكثر من ألفي سنة ، فالصراع الساساني الروماني والعثماني الصفوي ، والإيراني العراقي ،وآخرا الحرب الطائفية ذات الجذور والأبعاد الداخلية والخارجية ,في تلك الحقب والأحداث كانت العراق بشكل عام وكوردستان أرضا وشعبا بشكل خاص على رأس الحربة وساحة للتصفيات العسكرية والسياسية ، ولذلك فان أمن الشعب الكوردي وأرضه لم يدم طويلا الا وأخرق خرقا لم يبق للاستقرار معنى ولا لكرامة الانسان جوهرا ، من هنا ومن هذه النافذة نقرأ الواقع ونشير الى رؤية القيادةالكوردية وطموح الشعب الكوردي ..
بعد تشكيل الدولة العراقية في العشرينيات القرن الماضي على أساس إثني (العربي الكوردي) واحترام القوميات والأديان الاخرى،فكانت كل المكونات الاساسية شاركوا في بناء وتشكيل وإدارة الدولة ومؤسساتها المدنية والعسكرية و الإدارية .
وبعد فترة قصيرة - قياساً لبناء الدولة - ظهرت على الساحة العالمية والإقليمية موجة التجاذبات الفكرية ومعادلات النفوذ السياسي والاقتصادي بين الأقطاب المختلفة ، وصارت العراق احدى مراكز الاستقطاب لأهمية موقعها الجيوالسياسي والاقتصادي ، وظهور آبار ومنابع النفط ، فاشتعلت نار الاختلافات والفتن،وابرزت عوامل التفكك السياسي والاجتماعي ، حتى وصل الامر الى تفكيك أسس وقواعد الدولة الملكية عبرالانقلاب العسكري في ١٩٥٨، والكورد لم يحصل خيرا من هذا الانقلاب ولا من الانقلابات التي حصلت بعدهاحتى الانقلاب الأسود عام ١٩٦٨ حيث كان انقلابا حزبيا قومياً بحتا ولم يكن لأحد نصيب منه الا بالانتماء الحزبي او القومي ، ومن ذلك اليوم والى يومنا هذا لم يكن للشعب الكوردي راحة ولا اطمئنان ولا حقوق دستورية، ولا حتى ثمرة الاتفاقات مع بغداد لا في الستينيات ولا في آذار١٩٧٠ ولا الثمانينات ولا ٢٠٠٣ولا بعدها، فلم نخرج من أزمة الا وأدخلنا في أزمة اخرى ، ففي سنة ١٩٧٠ نكثوا العهد، وفي سنة ١٩٧٤ غرقوا مدينتي قلعة دزة وحلبجة في الدماء بالأسلحة المحظورة (النابالم) أي البراميل المتفجرة (ولا أنسى تلك الأيام حيث كنت طالبا في الصف الخامس الابتدائي، وأعز اقربائنا استشهد امام أعيننا في حلبجة) وفي سنة ١٩٧٧بدات الحكومةبالتهجير القسري للقرى والأرياف على طول الشريط الحدودي بين تركيا والعراق وإيران والعراق وبعمق ٢٤ كيلومترا وبعدها جاءت بافشل وأخطرنظام اداري وطبقه على المهجرين وهو نظام البطالة المقنعة للمخضرمين والشيوخ والتجنيد الاحتياطي للشباب وتسليح الكورد ضد الكورد ضمن الإعفاء العسكري ، فقد ابتلينا بهذا النظام وله آثار سلبية الى اليوم ، وفي سنة ١٩٨٧بدات بغداد بضرب مناطق واسعة بالأسلحة الكيمياوية المحظورة دوليا وأخلاقيا وآخرها مدينة حلبجة حيث صارت ضحيتها خمسة آلاف شهيد وآلاف من الجرحى والمشردين دون ملجأ ولا مأوى الا الملاذ بالجبال ثم الهجرة الى ايران وبقينا هناك اكثر من اربع سنوات في المخيمات، وفي سنة ١٩٨٨بدات حكومة بغداد بعمليات ما يسمى بالانفال بثمانية مراحل لكافة القرى والأرياف والمجمعات السكنية حيث يقدر ضحيتها ب (١٨٠٠٠٠ ) إنسان مواطن بريء فمن سنة ٢٠٠٣ الى اليوم تظهر مقابرهم الجماعية التي دفنت فيها تلك الأبرياء احياء بعد رشهم بالطلقات النارية العشوائية فكانت أصواتهم تعلو الى العرش الأعلى ، وبعد كل تلك المآسي كانت القيادة الكوردية تناسى ما حصلت اثناء الحرب العراقية الإيرانية ولم تهجم ولم تحرج الجيش العراقي الا نادرا مراعاتا لوضع الحرب المتأزم ولكن دون جدوى ..
بعد الحرب الخليج الثانية واحتلال الكويت من قبل العراق وسنحت الفرصة للشعب الكوردي للقيام بالانتفاضة ففي اثناء الانتفاضة كان الجيش العراقي المتعب والمهزوم لم يقاوم الا نادرا ولم ينسحب الا قليلا فصاروا أسرى لدى الشعب الكوردي فلم ينتقم هذا الشعب الشهم ولا البيشمركة من احد ولم يقتلوا احدًا منهم بل وزعوهم على البيوت والمساجد وخدموهم واكرموهم والشهود من الجنود بالميئات والالوف ..
وفي ١٩٩١ اصدر مجلس الأمن الدولي قرار رقم ٦٨٨على أثر الهجرة المليونية(خوفاً من تكرار الأنفال) نحو ايران وتركيا بعد هجوم بغداد بالدبابات والأسلحة الثقيلة، وبعد هذا القرار الدولي بدأ الشعب والأحزاب معهم بالرجوع الفوري الى المدن والقرى.
وفور وصولهم بدأت الأحزاب بتشكيل لجان مشتركة تحت قيادة الجبهة الكوردستانية، وبدأ الشعب فوراً بالإعمار،وخلال سنة قررت قيادة الأحزاب الاستعداد لانتخاب أول برلمان وتشكلت بعده حكومة للإقليم ،وطالت هذه التجربة إحدى عشرة سنةً أي لحين تغييرالنظام العراقي من قبل أمريكا والمتحالفين معها في سنة ٢٠٠٣..
ومن سنة ١٩٩٨الى ٢٠٠٣ تخللها ثلاث مؤتمرات أو إجتماعات رئيسية وأساسية للمعارضة العراقية وكانت الأحزاب الكوردستانية من الجهات الاساسية ،وكانت أولى هذه الاجتماعات في أمريكا والثانية في لندن وثالثها بأشهر قليلة قبل تغيير النظام في مصيف صلاح الدين التابعة لمدينة اربيل ، ومن هذه الاجتماعات أرست قواعد السلوك وأسس الالتزامات بين أطراف المعارضة بكل أطيافها وأشكالها والمبادئ الاساسية التي تأكدت عليها جميع الأطراف ودونت بعد ذلك في الدستور الجديد و هي النظام الفدرالي التعددي الديمقراطي و الحريات العامة وحقوق الانسان والقيم الاسلامية والإنسانية العليا والعدالة الاجتماعية وعدم التمييز والإقصاء ،، ولكن مع الأسف - والتأسفلايجدي نفعاً - خاصة في مجتمعاتنا ، بعد كل الالتزامات والمشاركات الفعالة من قبل الأحزاب الكوردستانية والشعب الكوردي وتناسيهم للماضي واستعدادهم لبناء عراق جديد للجميع سرعان ما ظهرت التفكير بعكس الاتجاه من قبل أشخاص واتجاهات ذوي النفوذ والهيمنة نحو الحكم المركزي وإشعال نار الفتنة الطائفية ، وسعرت نار الفتنة يوما بعد يوم وأضيفت اليها وقود المعادلات الإقليمية وتصفية الحسابات الداخلية وظهرت جيوب التكتلات والاستقطابات حتى غيرت كافة الموازين ولم تكن للحكومات برامج الإصلاح والتغيير وصار البناء والتنمية ضربا من الخيال والمستحيل ،ووصل الامر الى ان المواطن لا وطن له يفكر في العيش فيه ولا دولة له يأوي اليها لأمن حياته ، وبات كرامة الانسان وحريته وحقوقه أسخف من ان يفكر فيه الانسان العراقي ، وبعد ذلك قرر المركزيون تجميد الدستور بدأً بمادة ١٤٠ذات البنود والمراحل الثلاثة لحل المناطق المتنازع عليها، وبعدها خططوا للهجوم على كركوك واستباحتها وشكلوا جيشاً خاصا باسم قوات الدجلة، اما مشكلة الميزانية وحقوق الشعب الكوردي فمن سنة ٢٠٠٧ الى اليوم كانت احدى المشاكل الاساسية والجوهرية بين بغداد والإقليم حتى وصل الامر الى قطعها كاملة في أواخر سنة ٢٠١٣، وأما مشكلة قانون النفط والغاز فهي من الملفات الساخنة بيد بغداد تلعب وتحارب بها بين فترة وأخرى تجاوزًا كافة الحقوق الدستورية ، أما سياساتها تجاه المنطقة الغربية وأهل السنة تجاوزت حدود الإقصاء والتهميش ، بل صارت العراق أرضاًخصباً لظهور القاعدة ،وطالت السياسات الفاشلة حتى ظهرت داعش واستولت على الموصل وبعدها المناطق الاخرى من المحافظات الأغلبية السنية وبعد سيطرتهم على الرمادي اصبح أمن بغداد في خطر حقيقي ..
وفي خضم هذه الأحداث المأساوية وما أفرزتها من نتائج دموية ومظالم إجتماعية وسياسية يجب ان لا ننسى وان نقولها للتاريخ لا منةً على احد ، فان حكومة الإقليم وكافة أبناء الشعب الكوردي سجلوا موقفا تاريخيا تجاه المهاجرين والمهجرين السوريين و تجاه النازحين العراقيين وعددهم الان مليونين مهاجر ونازح فلم يكن هناك شخص ولا مواطن ولا أسرة الا وقد شاركت في الدعم والايواء والإغاثة ولم تكن هناك أية حساسية او كراهية اوموقف سيء, والمواطن العراقي الآن في الإقليم حقوقه محفوظة كالمواطن الكوردي دون تمييز, فالموظف والمهندس والأستاذ الجامعي اليوم هم يباشرون حياتهم المهنية في كوردستان عزيزاً كريما ،ًوآمنهم مكفول كاُمن أي مواطن كوردي..
اذاً وبعد كل ذلك فالقارئ والسامع والمتابع المحايد يعرف تمام المعرفة ان هناك يداً وإرادةً من بغداد تدفع الشعب الكوردي نحو الاستقلال وإعلان الدولة المستقلة، فكل ما ذكرناه سابقا شواهد على ان القيادة الكردستانية وشعبها مقتنعة تماماً بالعراق الفدرالي الموحد ، ولكن السلوك السياسي وممارسات بغداد خلال الفترات السابقة تدفع بالشعب الكوردي على الحزم والتصميم نحو الاستقلال وإعلان الدولة مكرهاً حيث الكرامة والحرية أعز من كل شيء ، ونسأل الأحرار في العالم فهل يبقى لنا الا ان نسال متى نحصل على حريتنا وكرامتنا وقرارنا في كيف نريد ان نعيش والى متى يسلب إرادة شعب عاش على ارضه آلاف السنين ؟؟
*رئيس المجلس القيادي للاتحادالاسلامي الكوردستاني