الدولة المدنية الاولى في التاريخ

يقول الفقيه الدستوري ورجل القانون المصري المعروف ( الدكتور عبدالرزاق السنهوري) ان اول دولة مدنية في العالم تم ارساء قواعدها ، هي دولة (ابي بكر الصديق ) التي يسميها الدكتور محمد علي الصلابي ب ( الدولة الصديقية) ..
وهذه القناعة لدى السنهوري جاءت استنادا الى الطريقة التي تم بهااختيار الحاكم - الخليفة ابي بكر - اولا ، والاسس والمباديء التي ارساها او دعا اليها ابوبكر في كلمته الشهيرة ثانيا ، التي القاها على الحاضرين في سقيفة بني ساعدة عند انتخابه، والتي جاء فيها :-
"لقد وليت عليكم ولست بخيركم،فإن احسنت فاعينوني ،وان اسأت فقوموني ،الصدق امانة والكذب خيانة، ان العهد الذي بيني وبينكم كتاب الله وسنة رسوله.."
هذه العبارات المختصرة في كلماتها والمقتضبة في الفاظهاولكن العميقة في دلالاتها والرصينة في معانيها ومحتواها ، لو اضفنا اليها شكل وصيغة عملية الاختيار( البيعة) بتلك الطريقة الشفافة والواضحة التي جرت في السقيفة ،فانها تتضمن وتنطوي على المباديء الاساسية التي تبنى عليها الدولة المدنية بالمفهوم الحديث والمعاصر..
فمن عملية الاختيار (البيعة) ومضمون العبارات الواردة في الكلمة نستطيع ان نستنبط مايلي :-
اولا /ان انتخاب الحاكم - رئيس الدولة - وكذلك النخبة الحاكمة ،يتم من قبل المحكومين - الشعب - مباشرة اومن قبل من يمثلهم ( اهل الحل والعقد بمصطلح الفقه السياسي الاسلامي ) والبرلمان بالمصطلح الحديث والمعاصر ..
ثانيا/ ان العلاقة ببن الحاكم والمحكوم - السلطة والشعب - تبنى على اساس المحاسبة ، التي يتضمن الثواب والعقاب - التثبيت والعزل - من جهة وكذلك ضمان حرية الرأي والتعبير للشعب ،من جهة ثانية . بحيث يستطيع كل فرد من افراد الشعب - الرعية - او من ينوب عنهم ، ان يعبر عن قناعاته ورأيه في الحاكم او السلطة وبيان موقفه منه ، سلبا وايجابا..
ثالثا / ان تعامل الحاكم -السلطة- مع المحكومين - الشعب - يكون على اساس ( الصدق والامانة ) سواء في اتخاذ القرارات والمواقف، او التعاطي مع ثروات البلاد وعائداته الاقتصادية ومجالات الصرف .
وهذا ما يسمى بالمصطلح الحديث ب ( الشفافية ) .
رابعا / ان مرجعیة الحكم والعمل السياسي وادارة الدولة المدنية ،تتمثل في وجود ( دستور) يتضمن مباديء عامة وقوانين تفصيلية تنظم العلاقة بين جميع الاطراف وتحدد شكل الدولة وتبين كيفية ادارة المؤسسات و توزيع الواجبات والحقوق.
وقد تجلى ذلك بوضوح في عبارة ( ان العهد الذي بيني وبينكم كتاب الله وسنة رسوله ) التي وردت في كلمة (ابي بكر).
وهذه نستدل منها ضرورة وجود مرجعية للحكم - الدستور - شخصها ابوبكر لدولته ،بكتاب الله وسنة رسوله..
اذن نستنتج من الشرح المقتضب للعبارات والمفاهيم الواردة في الكلمة او البلاغ المذكور ،ان الدولة التي ارادها خليفة رسول الله للمسلمين ، هي بحق دولة مدنية قائمه على مباديء راسخة واسس متقدمة نسبيا . وذلك على خطى دولة الرسول( ص) التي بنيت وفق وثيقة المدينة التي جمعت كل المكونات ( المسلمين واليهود والمشركين ) .
كل ما ذكرناه جعل (الدكتور عبدالرزاق السنهوري) وآخرين ، يقارنون بين تلك الدولة والدولة المدنية المعاصرة، بل يعتبرون تلك الدولة اول دولة مدنية في التاريخ، مع الاخذ بنظر الاعتبارالفارق الزمني الشاسع و التطور الهائل الذي شهدته مجالات الحياة المختلفة واساليب العمل والادارة.